النويري
15
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقلت : لا واللَّه ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط . قال : وما هي ؟ قلت : أولاهن أن تقيم عندي وتتحرّم بطعامى . والثانية أن تشرب أقداحا من النهيذ تطبّب [ 1 ] قلبك وتسكَّن ما بك . والثالثة أن تحدّثنى بقصّتك . قال : أفعل ما تريد . فأخذت الدنانير ودعوت بطعام فأصاب منه إصابة معذّر ، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا ، وغنيّته بشعر غيره في معناه وهو يشرب ويبكى ، ثم قال : الشرط أعزّك اللَّه ! فغنيّته صوته فجعل يبكى أحرّ بكاء وينشج أشدّ نشيج وينتحب . فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه ورأيت النبيذ قد شدّ قلبه ، كررت عليه صوته مرارا . ثم قلت : حدّثنى حديثك ، فقال : أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزّها في ظاهرها وقد سال العقيق في فتية من أقرانى وأخذانى ، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له ، فجلسن حجرة [ 2 ] منا ، وبصرت منهن بفتاة كأنها قضيب قد طلَّه الندى ، تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما . فأطلنا وأطلن حتى تفرّق الناس ، وانصرفن وانصرفنا وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله ؛ فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد فلم أر لها ولا لصواحبها أثرا ، ثم جعلت أتتبّعها في طرق [ 3 ] المدينة وأسواقها ، وكأنّ الأرض أضمرتها فلم أحسّ لها بعين ولا أثر ، وسقمت حتى أيس منى أهلي . وخلت بي ظئرى فاستعلمتنى حالي وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبّه منها ، فأخبرتها بقصتى ؛ فقالت : لا بأس عليك ، هذه أيام الربيع وهى سنة خصب وأنواء وليس يبعد عنك المطر ، ثم هذا العقيق فتخرج حينئذ وأخرج معك فإن النسوة سيجئن ؛ فإذا فعلن ورأيتها أتبعها حتى أعرف موضعها ثم أصل بينك وبينها وأسعى لك في تزويجها . فكأنّ نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه ، فقويت وطمعت وتراجعت إلىّ نفسي . وجاء مطر بعقب ذلك وسال العقيق
--> [ 1 ] في الأغانى : « تشد » . [ 2 ] ناحية . [ 3 ] كذا بالأغانى . وفى الأصل : « طريق المدينة » .